منذ 19 ساعة
سلام قاسم
استغلال أيزيدية وظروفها النفسية والمادية وإدخالها إلى الإسلام بتواطؤ محافظ الأنبار وضابط عسكري: سقوط أخلاقي، "غسيل أدمغة"، وإعلام يتاجر بالآلام.
تتداول منصات التواصل الاجتماعي رواية موثقة بالأسماء والجهات، تزعم اعتناق امرأة أيزيدية للدين الإسلامي بمساعدة ورعاية مباشرة من محافظ الأنبار وضابط من قوة عسكرية رسمية في المحافظة. وإذا صحت هذه الرواية بتفاصيلها المعلنة، فإننا لسنا أمام حدث عابر، بل أمام جريمة أخلاقية مكتملة الأركان وهزيمة مدوية لقيم الإنسانية والمبادئ العليا؛ حيث تم إقحام امرأة منهكة ومسحوقة نفسياً ومادياً في آلة الدعاية، وتحويل مأساتها إلى منصة للاستعراض السياسي والديني.
إن ما حدث يظهر نقصاً حاداً في المروءة والمسؤولية من قبل كل من كان له يد في هذه القصة. فبدلًا من تقديم الدعم النفسي والطبي لامرأة تعاني من اضطرابات نفسية حادة وصدمات وجودية تفوق طاقة البشر، جرى استغلال حاجتها المادية وتشتتها الذهني لممارسة عملية "غسيل دماغ" مبطنة وتجريدها من هويتها وهي في ذروة ضعفها.
إن هؤلاء الذين خططوا وباركوا هذا المشهد أخطأوا خطأً جسيماً بحق القيم الإنسانية، وعليهم مراجعة ضمائرهم وتصحيح هذا الانحراف الأخلاقي فوراً، فالأديان والمبادئ لا تُنتصر بالاستقواء على المستضعفين والمتاجرة بآلامهم.
سقوط الرسالة الصحفية والاعلامية: عندما يتحول الإعلام إلى أداة استغلال
إن مهنة الصحافة والإعلام وُجدت لتكون صوتاً للحق، وجسراً لدعم السلام والتعايش، وحصناً للدفاع عن كرامة الإنسان، وليست وسيلة لتأجيج الفتن، أو إثارة قضايا الاستغلال الديني، أو الركض وراء "السبق" على حساب الضحايا.
وفي هذا السياق، تتحمل الإعلامية التي أنتجت هذه المادة ومؤسستها الإعلامية مسؤولية أخلاقية وإنسانية وتاريخية كبرى؛ إذ شاركوا بشكل مباشر في استغلال ناجية مكلومة، وسخروا منابرهم لعرض عملية تحويلها من دين إلى آخر تحت وطأة القهر النفسي والمادي. إن هذا الصنيع يمثل انحداراً مهنياً مخزياً، وتحولاً للمؤسسة الإعلامية من منبر للتنوير إلى شريك في "غسيل الأدمغة". إن هذا التجاوز الصارخ لمواثيق الشرف الصحفي يضع هذه الإعلامية ومؤسستها تحت طائلة المسؤولية، ويستوجب وقفة حازمة وإجراءات رادعة من الجهات النقابية والرقابية لمعاقبة كل من تسول له نفسه تحويل معاناة الإنسان إلى مادة للمتاجرة والترويج لأفكار متطرفة.
واجب الدولة: التحرير والرعاية.. لا التواطؤ والاستغلال
إن الحكومة العراقية بسلطاتها الإدارية، التنفيذية، والعسكرية ملزمة أمام القانون والدستور بمسؤوليات واضحة ومقدسة؛ وهي العمل على تحرير المخطوفات، وتقديم الدعم النفسي والمادي المطلق للناجيات، وتأمين عودتهن الكريمات إلى أهاليهن وديارهن.
ليس من واجب محافظ الأنبار، ولا الأجهزة العسكرية العاملة في المحافظة، ولا مؤسسات الدولة فيها، أن تصبح أداة بيد أشخاص متطرفين يحملون أفكاراً إقصائية لا تقل خطورة عن أفكار تنظيم "داعش" في سحق هوية الآخر واستغلال ظروفه. إن توظيف أدوات الدولة في الأنبار لتسهيل استغلال الناجيات مادياً ونفسياً وتغيير دينهن هو انحراف خطير عن وظيفة الدولة الحقيقية التي يجب أن تكون حصناً يحمي الضحية، لا سوطاً يجلدها بجهل وتطرف.
12 عاماً من الانتظار المر: جرح "سنجار" والمصير المجهول
في النهاية، يجب ألا ننسى أن هذه المرأة ليست مجرد رقم أو حالة معزولة، بل هي فصلٌ يقطر دماً من كتاب فاجعة كبرى. إنها واحدة من بين آلاف النساء والرجال والأطفال الأيزيديين الذين اختطفهم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) عام 2014 إبان اجتياحهم الغاشم لمدينة سنجار الجريحة.
واليوم، وبعد مرور 12 عاماً على تلك المأساة، ورغم الإعلان عن انتهاء تنظيم داعش عسكرياً في العراق، لا يزال هناك أكثر من 1500 من المخطوفات والمخطوفين الأيزيديين مصيرهم مجهولاً تماماً، وسط غياب وغيبوبة لأي تحرك حكومي جاد وحقيقي لكشف مصيرهم.
إن هذه الحادثة الصادمة في الأنبار تفتح الباب على تساؤلات ومخاوف مرعبة تفطر قلوب الأهالي؛ فهي تجعلنا نعيد التفكير بجدية وبقلق بالغ: كم من المخطوفات الأيزيديات الأخريات ما زلن مخفيات قسرياً في محافظات أخرى؟ كم منهن يُحتجزن ويُخفين عنا بعيداً عن أعين العدالة وعن أهاليهن الذين ينتظرون عودتهن بفارغ الصبر؟
إن الضمير الإنساني الحي، والمبادئ الوطنية الحقيقية، تفرض على الدولة التوقف عن إغماض عينيها، والتحرك الفوري للكشف عن مصير كل ناجية مخفية، والعمل الجاد على إعادتهن إلى أهاليهن وثقافتهن الأصيلة، والتكفير عن هذا الخطأ الأخلاقي الذي مسّ كرامة الضحايا وهويتهن.
