عندما تتحول الكراهية إلى كلمات... تصبح الإبادة مسألة وقت



منذ 3 ساعات

قيصر حيدر


لا تبدأ الإبادة الجماعية بالرصاص، ولا بالمقابر الجماعية، ولا بالسبي، ولا بالتهجير.
إنها تبدأ بكلمة.


بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي. بخطبة تحرض على الكراهية. بمحاضرة تزرع الشك في إنسانية الآخر. بعبارة يرددها طفل لأنه سمعها من معلمه، أو شاب لأنه تأثر بخطيب، أو طالب لأنه صدّق أستاذًا قدّم له التعصب على أنه حقيقة.


هكذا تبدأ كل الإبادات... بالكلمات.
نحن الإيزيديين لا نعرف الكراهية من كتب التاريخ فقط، بل نعيش آثارها كل يوم. صحيح أن العالم اعترف بأن ما جرى لنا في الثالث من آب عام 2014 كان إبادة جماعية، لكن ما لم يدركه الكثيرون هو أن الإبادة لم تبدأ في ذلك اليوم، بل سبقتها سنوات طويلة من التحريض، والتشويه، ونزع الإنسانية عنا.
لقد قيل عنّا ما لم يُقل عن غيرنا. نُشرت الأكاذيب حول معتقداتنا، وشُوّه تاريخنا، وصُوّرنا وكأننا غرباء عن وطننا، حتى أصبحت الكراهية تجاه الإيزيدي عند البعض أمرًا عاديًا، لا يثير الاستغراب ولا يُقابل بالرفض.


واليوم، وبعد كل ما حدث، ما زلنا نواجه أشكالًا مختلفة من خطاب الكراهية.
نراه في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى نبذنا أو الإساءة إلينا.
ونسمعه أحيانًا في خطابات بعض رجال الدين الذين يختارون التحريض بدلًا من الدعوة إلى التعايش.


ونتفاجأ به أحيانًا على لسان أشخاص يحملون ألقابًا علمية، من أطباء أو أساتذة جامعات أو غيرهم، عندما يستخدمون مكانتهم الاجتماعية لترديد معلومات مضللة أو أوصاف مهينة بحق الإيزيديين، بدل أن يكونوا صوتًا للعلم والإنسانية.
إن المشكلة لا تكمن في مهنة الشخص، بل في استغلال مكانته لنشر الكراهية. فعندما تصدر الكلمات المحرضة ممن يُفترض أنهم قدوة، فإن أثرها يكون أخطر، لأنها تمنح التعصب مظهرًا زائفًا من الشرعية.


الكلمة التي تُقال في قاعة جامعة قد تؤثر في مئات الطلبة.
والخطبة التي تُلقى في مسجد قد تصل إلى آلاف الناس.
والمنشور الذي يُنشر على الإنترنت قد يقرأه الملايين.
لهذا فإن خطاب الكراهية ليس مجرد رأي، بل قد يكون الخطوة الأولى نحو جريمة جديدة.
لقد دفع الإيزيديون ثمن الكراهية دمًا.
دفعوه بأرواح الآلاف من الرجال الذين أُعدموا فقط لأنهم إيزيديون.
ودفعته النساء اللواتي تعرضن للسبي والاستعباد.


ودفعه الأطفال الذين كبروا أيتامًا أو مفقودين.


ودفعته قرى أُحرقت، ومزارات هُدمت، وأجيال ما زالت تعيش آثار الصدمة حتى اليوم.
ومع ذلك، لا نطالب بالانتقام.


نطالب بشيء واحد فقط: أن تتوقف الكراهية.
نريد من الجامعات أن تكون منابر للمعرفة لا للتعصب.


ونريد من المؤسسات الدينية أن تنشر قيم الرحمة والاحترام، لا أن تزرع العداء بين أبناء الوطن الواحد.


ونريد من الإعلام ومنصات التواصل أن تتحمل مسؤوليتها في مواجهة التحريض، لا أن تسمح له بالانتشار دون مساءلة.


إن الدفاع عن الإيزيديين ليس دفاعًا عن طائفة بعينها، بل هو دفاع عن حق كل إنسان في أن يعيش آمنًا بسبب إنسانيته، لا رغمها.


إذا سكت المجتمع عن خطاب الكراهية اليوم لأنه يستهدف الإيزيديين، فقد يستهدف غدًا جماعة أخرى. فالكراهية لا تعرف حدودًا، وإذا لم تُواجه منذ بدايتها، فإنها تتوسع حتى تلتهم الجميع.


رسالتي إلى كل صاحب ضمير: لا تستهِن بكلمة تحرض على الكراهية، ولا تبرر خطابًا ينزع إنسانية الآخر. فالتاريخ علمنا أن كل إبادة جماعية بدأت بخطاب، وأن كل مجرم وجد من يمهد له الطريق ٠بكلمة أو بصمت.


نحن الإيزيديين لسنا أقل من أحد، ولسنا غرباء في وطننا، ولسنا عبئًا على المجتمع. نحن أبناء هذه الأرض، نحمل تاريخًا عريقًا وثقافةً أصيلة، وقدّمنا للوطن ما قدمه غيرنا.


ورغم كل ما تعرضنا له، ما زلنا نؤمن بأن العدالة أقوى من الظلم، وأن الحقيقة أقوى من الأكاذيب، وأن الإنسانية ستنتصر يومًا على الكراهية.


لكن ذلك لن يحدث إلا عندما يصبح التصدي لخطاب الكراهية مسؤولية الجميع، لا مسؤولية ضحاياه فقط.