منذ 3 ساعات
شيروان حجي
ليست المقاطعة حالة غضب عابرة، بل هي أداة حضارية وسلمية تصنع الفارق بين المجتمعات التي تتقدم وتلك التي تظل أسيرة لأزماتها. فالشعوب الواعية تدرك أن كل عملية شراء، وكل مشاهدة، وكل صوت انتخابي، هو شكل من أشكال الدعم والاستثمار في المستقبل. وعندما يُمنح هذا الدعم لمن لا يستحق، فإننا لا نكتفي بمكافأة الفشل، بل نصنعه ونمنحه فرصة للاستمرار ، ثم نتساءل لاحقاً لماذا لا يتغير واقعنا.
ولا تعني المقاطعة تصفية الحسابات أو معاداة الأشخاص بسبب اختلاف الآراء، بل تعني الامتناع عن دعم كل من يسيء إلى المجتمع أو يستغل قضاياه أو يكرر فشله دون محاسبة. فالمعيار ليس الاسم أو القرابة، وإنما جودة العمل، والنزاهة، واحترام المجتمع.
فخ العاطفة والقرابة: التحدي الأكبر في المجتمع الشنكالي
حين نسقط هذا المفهوم على المجتمع الشنكالي، نجد أننا أمام واقع معقد لا تزال ثقافة المقاطعة فيه محدودة، بينما تتغلب عليها في كثير من الأحيان اعتبارات القرابة والعشيرة والعلاقات الشخصية. فالقاعدة السائدة اليوم هي: بدل الغريب، خل يكون أخوي أو ابن عمي أو ابن قريتي."
هذه العاطفة النبيلة في أصلها، والمتمثلة في التكافل الاجتماعي، تحولت في كثير من الأحيان إلى فخ خطير يبرر الرداءة والفشل. فالولاء الأعمى للقرابة والعشيرة جعل المجتمع يتسامح مع بعض المسيئين لمجرد أنهم منّا، وكانت النتيجة استمرار التراجع في مجالات عديدة، وفي مقدمتها المشهد الثقافي والفني.
فوضى الفن والتصوير في شنگال: عندما تتحول الهوية إلى وسيلة للمتاجرة
في السنوات الأخيرة شهدت الساحة الشنكالية زيادة كبيرة في أعداد الفنانين والعازفين والمصورين وصناع المحتوى الرقمي. وكان من الممكن أن يشكل هذا التنوع فرصة لإبراز هوية شنگال وثقافتها، إلا أن جزءاً من هذا المحتوى اتجه نحو الابتذال والسعي وراء الشهرة السريعة، وسط استمرار الدعم من المجتمع نفسه الذي يرفض ثقافة المقاطعة.
* الفنانون: ظهرت فئة من المغنين والفنانين يقدمون أعمالاً ضعيفة أو تسيء إلى الذوق العام وإلى التراث والموسيقى الإيزيدية الأصيلة، التي كانت دائماً رمزاً للهوية والصمود. ومع ذلك، تجد كثيرين يساندونهم ويصفقون لهم بدافع القرابة أو العشيرة، متناسين أن ما يقدمونه يمثل صورة شنگال أمام الآخرين.
* المصورون وصناع المحتوى: بدلاً من تقديم صورة تعكس ثقافة شنگال و تاريخها، ينشغل بعضهم بإثارة الجدل أو استغلال المآسي سعياً وراء المشاهدات، فيتحول الألم الإنساني إلى وسيلة لتحقيق الشهرة. ورغم إدراك كثير من الناس لضعف هذا المحتوى، فإنه يحظى بآلاف المشاهدات والمشاركات تحت ذريعة خل ندعم ابن قريتنا."
* التجارة والاستغلال الاقتصادي: يواصل بعض التجار استغلال الأهالي ورفع الأسعار أو تقديم خدمات سيئة دون أن يواجهوا أي رد فعل حقيقي، لأن العلاقات الاجتماعية تمنع كثيرين من مقاطعتهم. إن عدم مقاطعة التاجر المستغل ال يعني دعمه فحسب، بل يعني الأضرار بالمجتمع والاقتصاد المحلي أيضا.ً
* السياسة والمتاجرة بالمعاناة: يُعاد انتخاب بعض المسؤولين والسياسيين الذين لم يقدموا لشنگال ما تستحقه، فقط لأن عشيرتهم أو محيطهم االجتماعي يقف خلفهم. وهذا السلوك لا يحمي ابن العم، بل يطيل عمر التهميش ويؤخر أي فرصة حقيقية للتغيير.
كيف تتقدم الشعوب؟ دروس من التاريخ
إن ثقافة المقاطعة ليست جيناً وراثياً تولد به المجتمعات، بل هي وعي يُصنع عندما تدرك الشعوب أن مجاملة الفاشل أو المستغل هي طريق إلى استمرار الفشل.
* الهند وسالح المقاطعة السلمية: عندما أراد المهاتما غاندي مواجهة اإلمبراطورية البريطانية، لم يلجأ إلى السالح، بل دعا إلى مقاطعة البضائع البريطانية والاعتماد على الإنتاج المحلي. وقد أثبت هذا الإنضباط الجماعي أن المقاطعة المنظمة يمكن أن تكون أداة فعالة في إحداث التغيير.
* حافالت مونتغمري في الواليات المتحدة: عام ،1955 قاطع الأمريكيون السود حافالت النقل العام احتجاجاً على التمييز العنصري. واستمرت المقاطعة أكثر من عام، وتحمل المشاركون فيها مشقة السير لمسافات طويلة، حتى أسهمت في إنهاء سياسة الفصل العنصري في وسائل النقل العام.
مقاطعة ”السيء منّا“ هي قمة الإنتماء لشنگال
إن المفهوم الحقيقي إلنقاذ شنگال يتطلب ثورة فكرية تعيد ترتيب الأولويات. فإذا كان الغريب المسيء قد يسبب ضرراً محدودا،ً فإن ضرر القريب المسيء يكون أكبر عندما يُمنح الحماية والدعم لمجرد صلة القرابة، لأنه يسيء إلى المجتمع من داخله ويمنع الكفاءات الحقيقية من الظهور.
لذلك، يجب أن تبدأ المقاطعة من أبسط الممارسات اليومية: إلغاء المتابعة )Unfollow )لمن يقدم محتوى يسيء إلى المجتمع، واالمتناع عن حضور الحفلات التي تروج لالبتذال، ورفض التعامل مع من يستغل آلام الناس أو يسيء إلى سمعة شنگال من أجل الشهرة أو المكاسب الشخصية.
إن قول كلمة ”ال“ لأبن العم أو القريب عندما يسيء في الفن، أو الإعلام، أو السياسة، أو التجارة، ليس خيانة للقرابة، بل هو تعبير عن الحرص على سمعة شنگال ومستقبلها. وعندما يدرك كل شخص أن المجتمع لن يدعمه إال إذا احترم قيمهم وقدم عمالً يليق به، فسيجد نفسه أمام خيارين: إما تطوير مستواه واحترام جمهوره، أو فقدان الدعم لصالح من هو أكثر كفاءة.
من العشائرية العاطفية إلى الوعي المجتمعي
المجتمع الشنگالي، الذي عانى من الحروب ومحاوالت اإلبادة والتهجير، ال يستطيع إعادة بناء نفسه باألدوات ذاتها التي ساهمت في إضعافه. فالمجاملة على حساب الكفاءة، والتصفيق للفشل، ومنح الثقة لمن ال يستحق، كلها ممارسات تؤخر النهوض الحقيقي. إن المقاطعة الواعية لا تعني معاداة الأقارب أو قطع العلاقات الاجتماعية، بل تعني وضع مصلحة شنگال فوق كل اعتبار. وتعني أن يكون معيار الدعم هو الكفاءة، والنزاهة، وجودة العمل، والأخلاق وليس صلة الدم أو الانتماء العشائري.
فالمجتمعات لا تنهض عندما تدافع عن أخطاء أبنائها، بل عندما تمنحهم الفرصة لتصحيحها، وتحاسبهم إذا أصروا على الاستمرار فيها.
خاتمة
في النهاية، لا يُقاس وعي المجتمعات بما ترفعه من شعارات، بل بالطريقة التي تمنح بها ثقتها ودعمها. فكل مشاهدة، وكل عملية شراء، وكل صوت انتخابي، هو قرار يسهم في رسم ملامح المستقبل.
وإذا استمر المجتمع في مكافأة الفشل بدافع القرابة أو العاطفة، فلن يتغير الواقع مهما كثرت الشكاوى. أما حين يصبح معيار الدعم هو الكفاءة، والنزاهة، والالتزام، واحترام المجتمع، فإن المقاطعة تتحول من وسيلة للاحتجاج إلى أداة حقيقية للإصلاح.
إن شنگال لا تحتاج إلى مزيد من المجاملات، بل إلى شجاعة قول "لا" لكل من يسيء إليها، مهما كانت صلة قرابته أو مكانته الاجتماعية.
فالمقاطعة ليست كراهية، وليست انتقاماً، وإنما مسؤولية أخلاقية تجاه مجتمع دفع ثمناً باهظاً من أجل البقاء.
وعندما تصبح الكفاءة هي المعيار، لا القرابة، وعندما يُكافأ المبدع بدلاً من الفاشل، سيجد المجتمع نفسه يسير تلقائياً نحو مستقبل أكثر قوة وعدالة. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من انتظار الآخرين، بل يبدأ من قرار نتخذه نحن أن ندعم من يستحق، وأن نتوقف عن منح الفشل فرصة جديدة في كل مرة.
