من العبادي إلى الزيدي.. الإيزيديون بين الوعود المؤجلة والحقوق الضائعة



منذ 13 ساعة

تحسين شيخ كالو

 

منذ أحداث  الثالث من آب عام 2014، وما تعرض له الإيزيديون من إبادة جماعية على يد تنظيم داعش الإرهابي، تعاقبت الحكومات العراقية من حكومة حيدر العبادي وصولاً إلى حكومة محمد شياع السوداني، وبين هذه المراحل بقيت معاناة الإيزيديين مستمرة، فيما ظلت أغلب الوعود السياسية والإنسانية حبراً على ورق.

 

تعاقبت الحكومات العراقية ومعان الإيزيديين مستمرة 

 

الإيزيديون لم يطالبوا بالمستحيل، بل طالبوا بحقوق دستورية وإنسانية تكفل لهم الحياة الكريمة، بعد أن فقدوا الآلاف من أبنائهم بين شهيدٍ ومختطف ونازح، وتحولت مدنهم وقراهم إلى أنقاض.

 

سنجار بلا إدارة مستقرة
من أبرز الأزمات التي ما تزال تعرقل استقرار سنجار هي غياب إدارة محلية مستقرة وموحدة تمثل إرادة أبناء المنطقة بشكل حقيقي. فمنذ سنوات، تعيش سنجار حالة من التخبط الإداري والسياسي نتيجة الصراعات والخلافات بين الأطراف المختلفة، ما انعكس سلباً على حياة المواطنين والخدمات والإعمار وعودة النازحين.


فمدينة بحجم معاناة سنجار تحتاج إلى إدارة قوية وفاعلة تمتلك القرار والصلاحيات، وتعمل بعيداً عن المصالح الحزبية والتجاذبات السياسية. إذ لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار أو استقرار أو عودة طبيعية للحياة، في ظل غياب مؤسسات إدارية مستقرة قادرة على إدارة الملف الخدمي والأمني والإنساني.


إن استمرار هذا الفراغ الإداري جعل المواطن الإيزيدي يشعر بأنه يعيش في منطقة معلقة بين الوعود والخلافات، فيما تبقى احتياجات الناس اليومية مؤجلة دون حلول حقيقية.

 

الحقوق السياسية
رغم حجم المأساة التي عاشها الإيزيديون، إلا أن حضورهم السياسي ما يزال ضعيفاً ومحدود التأثير. فالقرارات المتعلقة بسنجار والايزيديين  غالباً ما تُتخذ دون إشراك حقيقي لأبنائها، فيما بقيت المناصب السيادية والإدارية بعيدة عن تمثيل عادل يليق بحجم التضحيات والمعاناة.
كما أن الانقسامات السياسية والصراعات الحزبية جعلت المجتمع الإيزيدي يدفع الثمن مرةً أخرى، وسط غياب مشروع وطني حقيقي يعيد لسنجار استقرارها وقرارها المستقل.

 

الحقوق الاقتصادية والإعمار
حتى اليوم، ما تزال سنجار تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية. فملف الإعمار يسير ببطء شديد، والبنية التحتية مدمرة، وفرص العمل شبه معدومة، بينما يعيش آلاف الشباب حالة من البطالة واليأس والهجرة.
المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات الكهرباء والماء تحتاج إلى إعادة بناء حقيقية، لا إلى وعود إعلامية ومشاريع مؤقتة. فالمناطق التي تعرضت للإبادة كان يفترض أن تحظى بأولوية وطنية في الإعمار والتنمية.

 

الحقوق العسكرية والأمنية
أثبت الإيزيديون خلال سنوات الحرب أنهم جزء أصيل من الدفاع عن العراق، وشارك أبناؤهم في مواجهة داعش وقدموا الالاف من  الشهداء. ومع ذلك، ما يزال الملف الأمني في سنجار معقداً ومضطرباً  بسبب التدخلات الخارجية بين فترة وفترة  وغياب الفرد الايزيدي في مكان المنصب الامني والعسكري وتدار الملف بيد الغرباء من غير مناطق.


إن ضمان أمن سنجار لا يتحقق إلا تنسيق كامل بين  القوات  الامنية ،و يكون لأبناء المنطقة دور أساسي فيها، بعيداً عن الصراعات والتجاذبات السياسية.

 

الإبادة الجماعية والتعويضات
اعترف العالم بأن ما تعرض له الإيزيديون يُعد إبادة جماعية، لكن هذا الاعتراف لم يتحول حتى الآن إلى خطوات عملية تنصف الضحايا بالشكل المطلوب.


آلاف العائلات ما تزال تنتظر التعويضات، فيما يعيش الناجون والناجيات أوضاعاً نفسية وإنسانية صعبة. كما أن ملف المقابر الجماعية والمختطفين لا يزال مفتوحاً، ويحتاج إلى اهتمام أكبر وعدالة حقيقية تحفظ كرامة الضحايا.

 

النازحون ومعاناة العودة
بعد أكثر من عشر سنوات على الابادة الجماعية ، ما تزال آلالاف العائلات الإيزيدية تعيش داخل المخيمات أو خارج مناطقها الأصلية بسبب غياب  الخدمات وفرص الحياة.
العودة الحقيقية لا تعني فقط فتح الطرق، بل توفير الاستقرار والإعمار والتعليم والخدمات وفرص العمل، لكي يشعر المواطن أن لديه مستقبلاً في أرضه.


حقوق الشهداء والضحايا
شهداء الإيزيديين لم يكونوا مجرد أرقام، بل كانوا ضحايا دفاعهم عن أرضهم وكرامتهم وإنسانيتهم. ومن حق عائلاتهم الحصول على الرعاية الكاملة والامتيازات القانونية والمعنوية التي تليق بتضحياتهم.


كما أن إنصاف الناجيات والناجين نفسياً واجتماعياً واقتصادياً يجب أن يكون مسؤولية وطنية وأخلاقية، لا مجرد ملف موسمي يُستخدم في المناسبات والخطابات.

 

في الختام 
من العبادي إلى اليوم، تغيرت الحكومات وبقيت معاناة الإيزيديين مستمرة بين الوعود والتأجيل. وما يحتاجه الإيزيديون اليوم ليس التعاطف فقط، بل قرارات حقيقية تعيد الحقوق، وتحقق العدالة، وتبني سنجار من جديد.
فالشعوب التي تعرضت للإبادة لا تبحث عن الشفقة، بل عن الكرامة والعدالة وضمان ألا تتكرر المأساة مرة أخرى.