العراق على موعد مع الحسم.. تفكك "الثلث المعطل" يمهد لانتخاب رئيس الجمهورية في جلسة اليوم



تقارير | 114
منذ 15 ساعة

جيا بريس _ تقرير تحليلي

​تتجه أنظار الشارع العراقي والأوساط السياسية اليوم السبت إلى قبة مجلس النواب، حيث تُعقد الجلسة الحاسمة المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، في خطوة يُعول عليها لإنهاء حالة الانسداد السياسي الطويلة التي تعيشها البلاد. وتأتي هذه الجلسة وسط تحولات دراماتيكية في الساعات الأخيرة قلبت موازين القوى ونسفت سيناريوهات المقاطعة الشاملة التي كانت تهدد بتعطيل الاستحقاق الدستوري.

​منافسة ثنائية محتدمة في البيت الكردي
​على الرغم من القائمة التي تضم 13 مرشحاً يتنافسون على منصب رئاسة الجمهورية، إلا أن المعطيات السياسية تؤكد أن المنافسة انحصرت بشكل فعلي وحاد بين مرشحين رئيسيين يمثلان قطبي المعادلة الكردية:
نزار آميدي: مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني.
فؤاد حسين: وزير الخارجية الحالي، ومرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني.

​ويعكس هذا التنافس استمرار غياب التوافق داخل البيت الكردي على "مرشح تسوية" واحد، مما ينقل حلبة الصراع والمفاضلة إلى داخل قاعة البرلمان العراقي ليترك الحسم لأصوات النواب.

​خريطة الاصطفافات: جذور الصراع الكردي وحلفاء كل طرف

وتعكس خريطة التحالفات التي تقف خلف كل مرشح، انقساماً عميقاً لا يقتصر على البيت الكردي بل يمتد ليشمل القوى العربية بشقيها الشيعي والسني:
موقف الاتحاد الوطني الكردستاني وحلفائه:يتمسك الاتحاد الوطني الكردستاني بأن منصب رئيس الجمهورية هو "استحقاق تاريخي وعرف سياسي" خُصص له منذ عام 2005، بناءً على الاتفاق الاستراتيجي القديم الذي منح الحزب الديمقراطي رئاسة إقليم كردستان مقابل تولي الاتحاد رئاسة الجمهورية في بغداد. ولذلك، يرفض الاتحاد التنازل عن مرشحه (نزار آميدي). 

ويحظى الاتحاد الوطني تقليدياً بدعم وثيق من قوى الإطار التنسيقي (المقاطعة منها أو الحاضرة)، التي ترى في الاتحاد حليفاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه، وتسعى لضمان فوز مرشحه لتأمين التوازنات داخل السلطة التنفيذية.

معارضة الحزب الديمقراطي الكردستاني وحلفائه:في المقابل، يعارض الحزب الديمقراطي الكردستاني (بزعامة مسعود بارزاني) استمرار احتكار الاتحاد الوطني للمنصب، مستنداً إلى "لغة الأرقام والاستحقاق الانتخابي". يرى الحزب الديمقراطي أنه الكتلة الكردية الأكبر والأكثر مقاعد داخل البرلمان، مما يمنحه الحق المطلق في تقديم مرشحه (فؤاد حسين) والمطالبة بالمنصب. ويعتمد الحزب الديمقراطي في تمرير مرشحه على تحالفاته القوية مع الكتل السنية البارز، بالإضافة إلى محاولته استقطاب أصوات النواب المستقلين لترجيح كفته وتأمين الأغلبية اللازمة لحسم الجولة الثانية لصالحه.

​مفاجأة الساعات الأخيرة: انهيار جبهة المقاطعة
​يتمثل التحدي الدستوري الأكبر لعقد الجلسة في تحقيق النصاب القانوني الذي يتطلب حضور ثلثي أعضاء مجلس النواب (220 نائباً من أصل 329). وفي حين كانت التوقعات السابقة تُشير إلى لجوء قوى "الإطار التنسيقي" وحلفائها إلى تكتيك "الثلث المعطل" لمقاطعة الجلسة، شهدت الساعات الماضية اختراقاً جوهرياً.

​فقد أعلنت 10 كتل نيابية وازنة بشكل رسمي ومفاجئ حضورها لجلسة السبت، مما يرفع من حظوظ اكتمال النصاب بشكل كبير. وضمت قائمة الكتل المؤكدة لحضورها كلاً من:
كتلة صادقون (وهو تحول استراتيجي كسر وحدة موقف المقاطعة داخل الإطار التنسيقي).
تحالف قوى الدولة الوطنية (بزعامة عمار الحكيم وحيدر العبادي).
حزب تقدم (الداعم الأبرز لمرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني).
كتلة بابليون.
حركة الجيل الجديد (المعارضة الكردية).
كتلة الإعمار والتنمية.

​التموضع الجديد لـ "الإطار التنسيقي" والتأثير الإقليمي
​لا يمكن فصل الانقسام الأخير في موقف "الإطار التنسيقي" —بين حضور كتلتي "صادقون" و"قوى الدولة" وتمسك أطراف أخرى مثل "دولة القانون" بموقفها المقاطع— عن التطورات الإقليمية الكبرى.
​وتشير المصادر إلى أن قوى الإطار التنسيقي كانت قد اتفقت مسبقاً (في 24 كانون الثاني/يناير الماضي) على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء. إلا أن تداعيات الحرب الإقليمية الجارية (بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران) فرضت واقعاً جديداً، ودفع باتجاه "تأجيل حسم مرشح رئاسة الوزراء" إلى ما بعد جلاء غبار الأزمة الإقليمية. هذا التأجيل التكتيكي دفع بعض أطراف الإطار للموافقة على المضي في استحقاق رئاسة الجمهورية أولاً لدعم حليفهم (الاتحاد الوطني)، ولتجنب الدخول في فراغ دستوري وتخفيف حدة الاحتقان الداخلي.

​السيناريوهات المتوقعة لجلسة اليوم
​بناءً على معطيات اللحظة وإعلانات الكتل والاصطفافات الحالية، فإن السيناريو الأقرب هو انعقاد الجلسة واكتمال النصاب القانوني.


​وفي ظل التنافس الشديد بين مرشحي الحزبين الكرديين (آميدي وحسين) وانقسام الكتل الداعمة لكليهما، يُرجح ألا يحصل أي مرشح على أغلبية الثلثين (220 صوتاً) في الجولة الأولى، مما سيقود البرلمان حتماً إلى جولة تصويت ثانية. في هذه الجولة، ستُحسم الرئاسة لصالح المرشح الذي يحصل على الأغلبية البسيطة لأصوات النواب الحاضرين، لتبدأ بعدها مرحلة التكليف الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة.